المواطنة، وحقوق الإنسان وما يجب في عراق الغد …

د. مهند يوسف
مستشار مركز العراق الجديد
عندما نريد ان نقدم تصور معقول ومقبول لكیفیة تشكيل دولة ديمقراطية يكون حكم القانون فيها على شكل مؤسسات حاكمة، فلابد لنا من التواصل، الذي يقود إلى التوافق الديمقراطي بین المواطنين في حقوقهم، وحقوق المواطن لا تبرز إلا إذا تم إشراكه فعلا في البناء السياسي، وهذا التواصل عبارة عن تفاعل مرتبط بالحوار كوسيط أساسي للتفاهم، الذي یهدف إلى توافق المواطنین من أجل حیاة جیدة وجديدة .
وحوار الانسان في المجتمع الواحد يعطيه الحرية، ويمنع عنه الانغلاق والانعزالیة، ویولد لدیه الرغبة في الانفتاح على الآخر، كما أنّه طریقة للتفكیر الجمعي والنقد الفكري، ویقضي على الجمود، وبالتالي الوصول إلى توافق ینتهي إلى خلق نوع من الثقة المتبادلة وتقارب الآراء.
لقد أصبحت وسائل الإغراء والسیطرة والتوجیه الاجتماعي والاحكام المسبقة تشكل خطرا یهدد مستقبل شعبنا العراقي النامي الضعيف الخائف، وزاد في ذلك تحول مجتمعنا الى فكر البداوة في رؤية الحياة والعالم، فاصبحنا نجيد ايجاد الاعذار  على كل اخطائنا، بل ونلوم الاخرين عنها، او ممن سبقونا فيما وصلنا اليه من حال، فاغلب العراقيين اليوم يلومون صدام حسين ودخوله الكويت في بداية التسعينات، اي قبل جيل من الان، بانه كان سببا لما وصلنا اليه اليوم، واكثرنا يلوم صدام على سياساته التي ادت الى حال العراق اليوم، بل ان بعضنا يلوم عبدالكريم قاسم وانقلابه الدموي لما آل اليه الحال اليوم، واصبح الكثير منا يلوم الاسلاميين او البعثيين او من قبلهم من القوميين نتيجة ما وصلنا اليه اليوم، بل ان الاكثر منا يلوم امريكيا واسرائيل وايران والصهيونية ومحاربتها لنا، والشركات الاستعمارية نتيجة الفقر والعوز الذي طالنا اليوم.
في المجتمعات المحترمة لم نسمع او نقرا ملامة لمن كانوا من قبلهم نتيجة حالهم اليوم، قدر تنظيمهم ورؤيتهم للمستقبل، فلم نر من الفرنسيين من يلوم نابليون بونابرت وقتله اكثر من خمسة مليون فرنسي نتيجة مغامراته العسكرية، ولم نسمع احد من الالمان يلوم هتلر لأنه غزا الاتحاد السوفييتي بعد سيطرته لكامل أوربا ونتيجة لذلك خسر الحرب العالمية الثانية وتدمرت المانيا بشكل شبه كلي، ولم نقرا احد من اليابانيين قد القى اللوم على هيروهيتو امبراطور اليابان حين هاجم بيل هاربر وكانت نصف اسيا تحت حكم  اليابان وخسروها وتدمرت اليابان بسبب ذلك القرار، ولم نسمع احد يلوم ماو او كاسترو او ستالين او تيتو او غيرهم عما فعلوه لشعوبهم.
فلماذا نلوم التاريخ، ولقد رأيت اناسا على مستوى كبير من الثقافة والعلم يرجع سوء احوالنا الى سقيفة بني ساعدة، وراينا الحسين ويزيد حاضرا في فكر رئيس وزراء سابق، والرشيد والمنصور والكاظم حاضرون في حياتنا حتى اليوم، والصالحون منا والطالحون يكون وجه التاريخ امامهم اذا ارادوا الحوار مع بعضهم البعض، فلماذا نعطي للعوامل التاريخية دورا ومساحة في تحدید مسار حياة مجتمعنا اليوم، فقط لاننا فقراء ام خائفون ام اغبياء وحمقى ام عاطلون وكسالى ام مقلدون ولا نجيد الابداع، ام كل ذلك…
اليوم الانسان الحي وليس الميت هو محور الاهتمام، وهو الهدف الاول والاخير والغاية القصوى لكل دولة ومجتمع محترم لذاته، وبالتالي علينا ان نتعلم اولا ماهي المواطنة في الدولة، وبعكسه فلن تكون هناك مواطنة حقیقیة فعلیة للأفراد في ظل الدولة العراقية الحديثة وكمجتمع مدني.
المواطن هو الذي ینتمي إلى الدولة، ليس بمجرد مكان المیلاد فحسب، وانما بعلاقة المواطن بنظیره المواطن، وبعلاقة المواطن بالسلطة، وبتنظیم هذه العلاقة، وعلیه فإنّ شروط التفاعل الاجتماعي الذي یقوم على الحوار مع الآخر، واحترام آرائه وتقدیرها وتنظیم أسالیب الحوار والنقاش بین المواطنین فیما بینهم من جهة، وبین المواطنین والسلطة من جهة أخرى، هي الوسيلة الوحيدة للوصول إلى التوافق والتفاهم كمواطنة .
المواطن لیس هو فقط ساكن المدینة او القرية، إنما المواطن هو الذي یجمع الشروط الضروریة للإسهام في إدارة الشؤون العامة ضمن إطار مدینته او قريته او الحي الذي يعيش فيه، اذ على المواطن هذه المهام في الدولة التي ینتمي إلیها من خلال ما يقوم به.
وعلى اساس عمل المواطن في المجتمع، عمله فقط، يتم الاعتراف بحقوقه كإنسان والاعتراف به كمواطن، لأن حقوق الإنسان سابقة عن نشأة المجتمع، والتي تتمثل في الحریات التي یجب أن یتمتع بها الفرد من أجل أن یعیش بالطریقة التي تناسبه دون أي ضغوطات.
المواطن الذي يعمل لم یعد هو ذلك الفرد الذي یتمتع بالحریة السیاسیة، ویشارك في تسییر الشؤون السیاسیة للدولة فحسب، بل أصبح عنصرا مهما في سن القوانین، ویجب على صاحب السلطة أن یقرَ هذه القوانین، وهذا یعني أن السیادة الفعلیة انتقلت إلى المواطن، مما یشیر إلى تطور مفهوم المواطن من مجرد عضو في المجتمع، ومن مجرد مشارك في تسییر شؤونه إلى حاكم، لأنه هو واضع القوانین.
لقد اسقط إعلان حقوق الإنسان الصادر في جنيف بالفكرة القدیمة التي كانت تقوم علیها المجتمعات، وأتت بنظام جدید یقوم على الاعتراف بكیان الفرد وبحقوقه الطبیعیة والمدنیة، وبأن الأمة تتألف من هؤلاء الأفراد المتساوین، والذین یتمتعون بالحقوق نفسها، وعلیهم الواجبات نفسها، وهذه من مقتضيات الدیمقراطیة الفعلیة، التي تعترف بالآخر وتعطیه حق المشاركة السیاسیة، أي حق المناقشة والتعبیر والقبول والرفض. اذ ولدت الدولة الحدیثة كدولة إداریة وضریبیة، وكدولة إقلیمیة وذات سیادة، واستطاعت أن تتبلور ضمن إطار الدولة الوطنیة.
وحتى تكون صورة الدولة دیمقراطية ودولة اجتماعیة، فلابد لها من ان تكون دولة وطنیة دستورية، مرتبطة بخصائص أساسیة تضمن الحق والاعتراف بحقوق المواطن على اختلاف أنواعها الاجتماعیة والطبیعیة والسیاسیة .
ولتحقیق هذه الدستوریة الوطنیة لابد من الفصل بین الدولة والأمة، لأنّ اندماج المواطنین لم یعد یستند إلى الثقافة الواحدة، ولا إلى القومیة الواحدة، ولا على التاريخ او المذهب السائد، ولا حتى على اللغة المشتركة، على العكس من ذلك فإن المواطنة الدستوریة اليوم تتطلب أن یتحد المواطنون العاملون حول مبادئ قانونیة مجردة كالعدالة، والدیمقراطیة، وحقوق الإنسان، وبالتالي اصبحت فكرة الديمقراطية القائمة على العمل، والتفاعل والاندماج الاجتماعي، هي البديل عن الانتماء القومي والمذهبي.