عراقيون بمواجهة المواطنة

د. مهند يوسف
مستشار مركز العراق الجديد
ربما اقصى ما يتمناه الانسان العراقي البسيط في عالم اليوم، ان يكون مواطنا حرا، یعیش في دولة لها نظام سياسي واضح، یستمد قوته من حریة الأفراد وحقوقهم الفعلية، وان يكون مواطنا، مثل اي مواطن في العالم، وان یتم الحوار بين المواطنين حوارا حقيقيا كأبناء مجتمع واحد، ذلك لان المواطنة والديمقراطية ارتبطتا بمشروع الدولة الحديثة اليوم، وهو مطبق في انحاء كثيرة من شرق العالم وغربه، وابرزت نماذج للحكم الرشيد والنهوض والتنمية، بحيث جعلت كثير من مواطني الدول النامية الاخرى يتمنون ان يحذوا حذو تلك الدول، وان كان على حساب موروثاتهم الثقافية الاجتماعية.
 فالتنظيم السياسي للمجتمع الحديث والمتقدم اليوم مرتبط بموقع الدولة الحديثة في عملية هذا التنظيم وفي كیفیة تحقیق الدیمقراطیة، وفي تحقیق الاتفاق والإجماع بین الناس، وفي كیفیة جعل الحكومة في خدمة المجتمع، على اعتبار أن الدیمقراطیة هي التي تمكَن الناس من العیش بسلام وطمانينة، رغم وجهات النظر السیاسیة المختلفة.
 وبالتالي لا یمكن الدفاع عن مشروعیة النظام السیاسي اليوم الا من خلال الحوار والاخلاق الذي يتم بواسطة المناقشات العامة والتي تهدف الى تشكيل رأي عام، وهذا ما یمیز المشروعیة السیاسیة في أن الإجماع بين المجتمع الواحد هو شرط لمقبولية النظام الحاكم.
والحقيقة أن الصراع في المجال السیاسي لاي مجتمع في العالم لا یمكن أن يقف او يجمد الا تحت سلطة الديكتاتورية، التي تتكون اما من أيديولوجيا بشرية او مذهبية دينية او شخصية فردية، لكن الدولة الحدیثة تحاول إیجاد الكیفیة التي یحصل بها التوافق بین المساواة والحریة، وبين الوحدة والتعدد، وبين حق الأغلبیة والأقلیة والأخذ بها، وذلك من خلال تكریس مبدأ السیادة الشعبیة، ذلك أنه لا وجود لسلطة حقیقیة ولا وجود لمواطنة حقیقیة في غیاب الاتفاق والإجماع والإرادة الحرة.
القوة الأساسية لاي مجتمع تكمن وراء القوة السياسة لذلك المجتمع، وهي تأتي من خلال الإحساس بالمجتمع، وهو إحساس مستمد من التراث الاجتماعي والديني، والمتكون في شكل عادات وتقاليد مستقرة، وهذا یعني أن تحليل أي مجتمع یجب أن یستند إلى فهم عميق للتناقضات الكامنة فیه دون محاولة لاختزالها.
فالمجتمع العراقي قبل الاحتلال كان مجتمعا يسوده التنافس بين من يخدم السلطة الحاكمة وممن يعترض عنها، وعلى هذا النسق كانت هناك وظائف مجتمعية ادت في نهاية الأمر الى أنماط في السلوك الاجتماعي خاص بالعراقيين، فالسلب والنهب والقتل والفوضى التي سادت مع الاحتلال، والغش والفساد وتبييض الاموال والكذب والرذيلة التي سادت خلال هذه السنوات هي تعبير صريح عن تلك الانماط، وهي بالمناسبة لم تكن سابقة في ذلك، فقد شهد الفرهود في نهاية الاربعينات مثالا عن تلك الوظائف الاجتماعية، فاليهود الذين تعاونوا مع المحتل الانكليزي كافئهم المستعمر بأراضي منطقة السعدون ومنحهم الوكالات التجارية والمكانة المرموقة في المجتمع على حساب الاغلبية الفقيرة، فكان الفرهود بعد ان ضعفت سلطة الانكليز في نهاية الاربعينيات. وايضا تكرر ذلك في منح ابناء الريف الذين حكموا العراق طيلة سنوات الجمهورية وغناهم الفاحش على حساب الاغلبية الفقيرة ايضا ادى الى نفس النتيجة حين زالت سلطة هؤلاء.
وبالتالي فان فهم النسق الاجتماعي للعراقيين يتحدد في اطار الخبرة الإنسانية، فالعوامل الاقتصادية لها دور اساسي في تحديد مسار المجتمع، بدلا من العوامل السیاسیة، ذلك لأن السياسة في الحقيقة تعتمد اعتمادا كبيرا على الاقتصاد، فالاغتراب الاقتصادي اصبح هدفا للنضال السياسي اضافة الى الاغتراب الثقافي والعزلة السیاسیة وقهر السلطة.
وحين يأتي مفهوم المواطنة، وحریة التعبير، وضمان الحقوق والاعتراف بالحریات الإنسانية، على اعتبار أن الإنسان طرف أساسي في بناء القوانین التي تضمن له حقوقه، وهو صاحب الحق الأساسي في المشاركة كمواطن فعلي له الحق في ممارسة حقوقه الطبيعية، بالتأكيد سيحاربها الفرد العراقي ولا يقبلها ولا يؤمن بها باعتبارها افكار الكفار الشياطين، او بسبب الجهل او المصلحة القبلية او المذهبية او بسبب اعرافه وتقاليده البائسة، وهذا ما سيمنعه من التفكير في المشاكل الاجتماعية فضلا عن التلاحم الاجتماعي والمصالح المشتركة للمجتمع ككل.
اضافة الى ذلك جاء العامل الاقتصادي مع الثقافي المذهبي بعد زوال النظام ليكرس هذا الموقف من حقيقة المواطنة عند العراقيين، فالطبقة العاملة من الموظفين الحكوميين والذين يبلغ عددهم اكثر من ستة مليون موظف اضافة من الذين يأخذون رواتب ومعاشات تعويضية بسبب المظلومية التاريخية، ومن الموظفين الذين لا يعرف لهم عنوان، او من العمالة الاجنبية والذين تجنسوا بالعراقية واصبحوا عراقيين، او من الكسبة الذين جاوروا الاضرحة المقدسة ودخلوا الحوزات واصبحوا يتكلمون باللسان العراقي، واكثر من هؤلاء من اصيب بخيبة امل من التغيير بالنظام القائم او بمن وعدوهم من السياسيين، اضافة الى الجهلة والسوقة والاميين والمرضى والفاسدين والحاقدين، كلهم لا يشعرون او لا يحبون ان يعرفوا او ان يطبقوا معنى المواطنة، حتى لا تفرض عليهم مسؤوليات وواجبات، لانهم يعلمون انهم يأخذون من اموال النفط لا من عملهم اكثر مما يستحقون، وانهم يسرقون من حقوق غيرهم وان كانت بصور رواتب ومعاشات حكومية من غير جهد او خدمة، وان كان على حساب اخوانهم وجيرانهم من العراقيين الاخرين.
ولأننا شعب نؤمن ان الانحرافات والبلاءات والفتن والنكسات، انما هي قدر من اعمال الغيب كتبه الله علينا منذ ان خلق العراق، او ما نشهده انما هو من جراء اعمالنا وكفرنا وفسادنا، واننا نحب حياة الفرهود، ونعتقد ان مال الدولة ليس له صاحب، ونحب الكسل والقيل والقال، والفشل عندنا فتنة وامتحان من الله، لذلك لن ولم نفكر يوما ان نكوَن مجتمعا تواصليا، او ان نؤمن بالتقسيم الجماعي والمتبادل للمصالح بيننا، في ظل دولة عادلة اجتماعيا فيها التواصل والحدیث مع النظام، وقبول الرأي والرأي المخالف.
أن دولة الحق الاجتماعي تتطلب حلولا، كالاعتراف المتبادل بالمساواة، وحریة الرأي والنقد، وبناء علاقات اجتماعية منظمة وموجهة، نحو أهداف سياسية موثقة واجتماعية محددة، ذلك لأن حقوق المواطن لا تبرز حقا إلا إذا تم إشراكه فعلا في البناء السياسي، وهذا يعني إشراك الجمهور من مواطني الدولة بممارسة السیاسة، من خلال التعبير عن حقوقهم ومنحهم الثقة في الحاكم القادر على الحكم، لیصبح بذلك الهدف النهائي بل الدافع الأساسي للنظام الاجتماعي هو حریة وسعادة الجماهير ولیس تحقیق المصالح الشخصية.
إن خلق التنوع والقضاء على فكرة فسيفساء المجتمع ومجتمع المكونات، كما هو سائد اليوم، يأتي من خلال إقامة التواصل الإنساني وفتح أفق الحوار والتفاهم بين افراد المجتمع، وبالتالي فان التقوقع كما هو سائد حاليا سيؤدي الى السقوط والانغلاق، والتعصب، ولهذا ستكون فلسفة التنوع هي فلسفة المستقبل، اذا اراد العراقيون ذلك، لأنها هي القادرة على أن تستوعب هموم الحیاة الجماعية، بحیث یتم تقدیر المسؤولیة الفردیة والتواصل مع الآخرین والاعتراف بهم من أجل خلق أنواع من التلاحم الاجتماعي، الذي یهدف إلى حل المشاكل على أساس من الاعتراف بالحقوق الأساسیة للمواطن.
ان إشراك المواطنین في المجال السیاسي، مرتبط بمفهوم المواطنة، وهذا يعني وجود فضاء عام یلتقي فیه جميع المواطنین، ليس في مناصب الدولة فحسب، وانما في قدرته على التشريع وسن القوانين ايضا، وبما ان المواطن يتمتع بحقوق سیاسیة في ظل الدولة الدیمقراطیة، لذا فإنّ فكرة المواطنة تتأسس على فكرة مشاركته في السلطة، وفي صنع القرار، وبالتالي اذا حققنا هذا الامر سيتحول النظام السیاسي القائم الیوم في العراق من مصدر للمشكلات الحياتية يصنعها كل يوم للعراقيين، بسبب عدم استطاعته حل تفاقم المشاكل الاجتماعیة، وتهمیش المواطنین، وفرض القرارات التعسفیة وحمايته للصوص والمنتفعین، الى وسیلة لحلها.
كلمات مفتاحية: