محطات في قرار مجلس الأمن الدولي المرقم 2470/2019 الخاص بالعراق/الجزء الثاني

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
       بعد أن أصدر مجلس الأمن القرار المرقم 2470 الصادر 21 أيار/مايو  2019 الخاص بالعراق، رصدنا في المقال السابق فقرتين مهمتين تضمنهما القرار وفق ترحيب مجلس الأمن بالجهود التي تبذلها حكومة العراق من خلال برنامجها الحكومي الوطني للمدة 2018-2033،  وذلك عبر التصدي للفساد وتعزيز المؤسسات الحكومية التي تمتلك مقومات البقاء، ومن هذه الفقرة المقتبسة من منهاج الحكومة الذي قدمه السيد رئيس مجلس الوزراء إلى البرلمان العراقي في دورته الرابعة، نقتبس في هذه العجالة الثانية ملف حقوق الإنسان وملف القضاء والذي تضمنه القرار في الفقرة التي تقول؛ تعزيز المساءلة وحماية حقوق الإنسان والإصلاح القضائي والقانوني في ظل الاحترام التام لسيادة العراق.
     في الفقرة السابقة يوجد ملفين غاية في الخطورة ويعدان التحدي الحقيقي للعملية الإصلاحية في العراق، و كي يتعامل المجتمع الدولي مع العراق ويحترم سيادته وقراراته يتعين لإصلاح منظومتهما، الملف الأول ملف إصلاح المنظومة القضائية، والملف الثاني ملف حقوق الإنسان، ومع اعتبار كون الفصل في السلطات مبدأ دستوري في الدولة العراقية، وتؤكد عليه القوانيين النافذة فإن فساد المنظومة القضائية في الحكومات السابقة تعد من المؤشرات الخطيرة في تجاوزات السلطة التنفيذية على السلطات القضائية، ولعل اللقاء الأخير للسيد المالكي في 11/7/2019 (https://www.youtube.com/watch?v=cz7PuN6lsGM) أي قبل يوم واحد من انعقاد المؤتمر العام لحزب الدعوة، تكلم كعادته عن تجربته في الحكم وعن الحكومة الحالية، وفي مجمل كلامه لا يؤخذ عليه حين يتناول عمل الحكومات وما يعتريها من إشكالات ويوجه رؤيته للعمل بها من قبل الحكومة الحالية… وكشأن القادة السياسيين عادة ما يكون الكلام جميلا لكنه يبقى للاستهلاك العام لكونه يخالف الحقائق على الأرض، والذي يعنينا هنا بعدين في كلام المالكي الأول حين يتكلم عن سقوط الموصل الذي عزى سببه كون الجيش وقادته كما يدعي من العرب السنة، ونحن نعي أن حقبة سقوط الموصل يعد أكبر فاجعة مرت في تاريخ العراق المعاصر، انتهكت بها الحريات الشخصية وقدم أهل الموصل الآلاف من الضحايا، وتهدم جل المدينة. الشق الثاني الذي تناوله المالكي في ملف القضاء، وخاصة في الدعوى بشأن نائب رئيس الجمهورية الأسبق طارق الهاشمي، ونائب رئيس الوزراء الأسبق رافع العيساوي وهم من أقوى رموز العرب السنة في العملية السياسية، وكذلك اعترى تصريحه حولها العديد من التناقضات والمغالطات.
     سنتناول في الملف الأول تصريح المالكي حول الجيش وقادته في الموصل في سنة 2014 وعن حقيقة الانسحاب من الموصل وهل فعلا كان بسبب كون الجيش وقياداته من العرب السنة وأن الداعي للانسحاب كان طائفيا كما يدعي المالكي، وسنثبت من خلال الرواية المعتمدة من قائد عمليات الموصل آنذاك مهدي الغراوي (وهو من العرب الشيعة) يروي اللواء مهدي الغراوي في تقرير خاص لوكالة رويترز، تفاصيل استيلاء تنظيم داعش على مدينة الموصل العراقية في العاشر من يونيو 2014 وتوجه المجموعة جنوبا نحو بغداد وانهيار الجيش العراقي أمامها، وكان اللواء مهدي الغراوي يعلم أن الهجوم قادم، لذلك طلب وهو قائد العمليات في محافظة نينوى، وعاصمتها الموصل، تعزيزات من أكثر القادة تمتعا بثقة رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي. ولأن الجيش العراقي كان منهكا تجاهل الضباط الكبار هذا الطلب. وذكر ما تناقل عن دبلوماسيين في بغداد معلومات عن هجوم وشيك للإرهابيين، وقيل لهم إن قوات عراقية خاصة ترابط في الموصل وبإمكانها التعامل مع أي تطورات.
       يقول الغراوي إن واحدا من ثلاثة أشخاص ربما يكون قد أصدر الأمر النهائي (في الانسحاب) هم عبود قنبر الذي كان في ذلك الوقت نائبا لرئيس الأركان بوزارة الدفاع، أو علي غيدان الذي كان قائدا للقوات البرية، أو المالكي نفسه الذي كان يوجه كبار الضباط من بغداد بنفسه، ونحن نعلم أن قنبر وغيدان من القادة الكبار الذين لا ينطلقون من فراغ ولا يمكن لهم بحال من الأحوال تحمل تبعات انسحاب أمام ثلة من الإرهابيين وإلا ستكون وصمة في تاريخهم العسكري، لذا نجد بالضرورة أن مكتب القائد العام هو الذي وجه الأمر بالانسحاب، ولا نجزم إن كان المالكي أوعز ذلك أم أن مكتبه كان مخترقا من جهة أكبر من المالكي كانت تخطط لتسليم المدينة إلى التنظيم الإرهابي وتدميرها ليتمكن منه الحشد الشعبي والميليشيات المتجحفلة معه كما حدث بالضبط. فعن أي قيادات طائفية يتكلم المالكي مع اعتبار أن بنية الجيش العراقي في الموصل جله من الجنوب ولم يشكل فيه العرب السنة ما يزيد عن 10% في أحسن الأحوال، وكذا الحال مع الشرطة الاتحادية، والفارق الوحيد يكمن في الشرطة المحلية التي جلها من أهالي الموصل وتتحمل هي الأخرى المسؤولية لكنهم بعد انكشاف الجيش هربوا أيضا.
           إن سيطرة التنظيم الإرهابي “داعش” على الموصل فتح صفحة سوداء في انتهاك حقوق الإنسان، فقد قتل الآلاف، وهجر مئات الآلاف، وسجن بعد التحرير آلاف لا لجريرة ارتكبوها مع التنظيم الإرهابي بل بسبب فساد المنظومات الأمنية التي حكمت قبضتها على المدينة وأرادت اذلال أهلها وابتزازهم.  وسارت نيران داعش في المحافظات العربية السنية كما تسير النار في الهشيم، ففي مفارقة تأريخية غير مسبوقة تسيطر داعش على مدينة الموصل بالكامل ومحافظة صلاح الدين إلا من قضاء سامراء وبعض القصبات، ومحافظة الأنبار بأغلب مدنها وخاصة الفلوجة الذي يعد من أكبر الأقضية في العراق من حيث النفوس، وكان يمثل رمزا عربيا سنيا في تصديه الأسطوري للجيش الأمريكي، وسيطر التنظيم الإرهابي في ديالى على نواحي السعدية وجلولاء والسد العظيم وقرى شمال قضاء المقدادية وبعض قرى قضاء الخالص، ووصل لحزام بغداد…
     بما يعني أن التنظيم الإرهابي سيطر فعليا على ما مقداره 40% من مساحة العراق باعتبار أن الأنبار لوحدها تبلغ ثلث مساحة العراق، فإن أضفتها مع بقية مناطق سيطرة داعش فإن الحصيلة هو ما يزيد عن 40% من الأراضي العراقية سقطت بيد داعش. وجميع الدلائل والقرائن تشير إلى تواطئ الحكومة العراقية مع مخطط إقليمي هيء لهذه السيطرة مبكرا. وبعيدا عن المهاترات الجوفاء التي ينشغل بها الآخرون عن أسباب تمكين رقاب العرب السنة من قبل التنظيم الإرهابي داعش، سواء كان بمخطط محلي أو إقليمي أو دولي، فالمنظومة التي استهدفت بنية المجتمع العراقي واحدة مترابطة لها أيدي في الداخل وسند إقليمي ودولي في الخارج، وتسببت بأعتى جريمة انتهكت بها حقوق الإنسان ومن مختلف المكونات والديانات، ويبقى ما فعله التنظيم الإرهابي، وما فعلته الميليشيات بعد التحرير وصمة عار في جبين الإرهاب المستهدف للنساء والأطفال والشيوخ، ولم يستثنى من ذلك سوى قطاعات الجيش العراقي وجهاز مكافحة الإرهاب الذي قاتل بمهنية وسعى وعمل على إنقاذ المدنيين الآمنين.
      وحين تناول السيد المالكي قضيتي نائب رئيس الجمهورية الأسبق طارق الهاشمي ونائب رئيس الوزراء الأسبق رافع العيساوي فقد وقع في المحذور وتناقض في أقواله، فقد ذكر أن القضيتين حصلتا وهو في أمريكيا، وبعد استطراده ذكر زيارة رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان بصحبة قضاة وعدد من الضباط2-3، فكيف يكون في أمريكا ويزوره رئيس السلطة القضائية؟! ومن جهة أخرى لماذا يزوره ويهدده بالاعتقال إن لم ينفذ الأوامر إن كان القضاء مستقلا؟؟ والجميع يعي في تلك المرحلة أن بعض القضاة كانوا فاسدين حتى العظم، والبعض منهم كان جلادا وليس قاضيا وقد استمعت لشهود كانوا معتقلين في تلك الحقبة يسردون قصص أقرب لعالم الخيال من قيام بعض القضاة يومها حتى من ممارسة التعذيب وانتهاك حقوق الإنسان. إن فساد القضاء في تلك الآونة يشهد عليه الجميع، ولعل أن ما يؤكد فساد السلطة القضائية في بعض مفاصلها في العراق ما دعا إليه ممثل المرجع الديني الأعلى في العراق، السيد علي السيستاني، حين قال أنه لا إصلاح من دون إصلاح القضاء وتطهيره من القضاة الفاسدين، وتأتي أهمية هذا التصريح من كون أن الدولة العراقية يومذاك واليوم تدار من قبل أحزاب تقودها المرجعية الدينية في النجف وترسم لها خطواتها الكلية، وأكد الكربلائي المتحدث باسم المرجعية أن من متطلبات العملية الإصلاحية إصلاح الجهاز القضائي، فلا يمكن الإصلاح دون إصلاح القضاء، داعياً الى الاعتماد على القضاة الشرفاء الذين لم تلوث أيديهم لإصلاح بقية مؤسسات الدولة.
     يقول مختصون إن اصلاح أي بلد يجب أن يبدأ بالقضاء فاذا فسد القضاء تفسد الدولة، وذهب الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو إلى أبعد من ذلك حين وصف القضاء برأس السمكة التي إذا طاله الفساد يفسد الجسد كله … في العراق بدأت ظاهرة المطالبة بإصلاح القضاء مع بداية التظاهرات التي طالبت بإصلاح البلد من الفساد، فالطريق إلى ذلك يفضي حتما الى المطالبة بإصلاح القضاء باعتبار أهميته وتأثيره، فالعدل مضنة الحكم، والحكم الرشيد الركيزة الأولى التي تسهم في نجاح ركائز الدولة الأخرى. والخشية في السلطة القضائية أن تكون خاضعة للسلطة التنفيذية، فإن العلة الكبرى له تكمن في تبعيته وانقياده الأعمى للسلطة التنفيذية، فلا وجود في العراق فصل حقيقي بين السلطات الثلاث بل هناك تبعية وتنفيذ أجندات، والخطير في الموضوع أن يطال الفساد المنظومة القضائية باعتبار أهمية دورها العقابي الذي يحمي المجتمع من الفساد والفاسدين، فإذا كان في السلك القضائي قضاة فاسدون يرتشون ويتبعون لأجندة طائفية وعرقية بغيضة فإن القضاء سيكون وبالا على الدولة والمجتمع، ولا سبيل للنهوض بالدولة في مفاصلها الأخرى دون أن ينظف القضاء من الفاسدين.
        وفي ذات السياق يقول الباحث يوسف إبراهيم؛ إذا كان العدل أساس الحكم، فالقضاء هو أساس العدل وركيزة للحكم والدولة. فلا عدل ولا مساواة ولا حفظ لحقوق الأفراد والجماعات بدون قضاء عادل ونزيه ومستقل ينظر له بأنه ركيزة أساسية في بناء الدول. ولا وجود لدولة العدل والقانون بفساد القضاء وعدم قيامه بدوره المناط به بشكل نزيه ومستقل. وهذا ما تعاني منه الحكومات المتعاقبة بعد الاحتلال ولم يقلل أثرها إلا في ولاية العبادي ونأمل أن يتم ذلك في ولاية عبد المهدي، فالكثير من الشواهد لتلك الحكومات إنما تدل على توغل السلطة التنفيذية على السلطات القضائية من خلال التعيينات والامتيازات والضغوطات بحيث تصبح العلاقة هي علاقة تبعية بعيدة كل البعد عن التكاملية مثلما يجب أن تكون، وهذا ما جرى في العراق  في حقبة الجعفري وحقبتي المالكي، وقد لا يكون للأخيرين العلاقة المباشرة بقدر ما تتولى منظومة الحكم الطائفي آنذاك هذا الاتجاه، وإلا من الغير المنطق أن يسيء رئيس مجلس الوزراء إلى مدة حكمه بهذا الشكل السافر ومع ذلك فإنه يتحمل الوزر الأكبر فيها.