قوة السلطة …

د. مهند يوسف
مستشار مركز العراق الجديد
القوة الحقيقة للسلطة ومن ورائها الدولة، ليس في التسلط الفوقي وإصدار القرارات العليا، او في شكل بيروقراطيات الدولة وما شابهها او في تمكين ديكتاتورية حكم الاغلبية الثيوقراطية، بل إنها قوة التنظيم والتسییر والترتيب، وتحقيق وانجاز المنافع لجمیع المواطنين ودون استثناء، إنها قوة المعارضة والرأي المختلف، انها قوة النقد من أجل تشكیل رأي عام قائم على المناقشة الحرة.
قوة السلطة تشرق في فضاء السلطة والدولة معا، وهذا الفضاء هو الحيز الذي ینشأ بین المجتمع المدني والدولة، وهو المكان الذي یجتمع فیه المواطنین لتشكيل رأي عام موحد ازاء القضايا التي يوجهونها، وهو المیدان الواسع للنقاش وتشكيل الآراء والمواقف حول القضايا التي تشكل محور اهتمامات الناس، وهذا الفضاء هو مصدر قوة للسیادة الشعبیة التي یجب أن تمنح لجميع المواطنین، بوصفهم أفرادا متساوین.
قوة السلطة تكون بالحریة العامة، وبفتح المجال أمام المواطنین للمشاركة في القرارات الهامة للدولة، لیكون بذلك الشعب هو مصدر للسلطات ویستمد شرعيته من حریة إرادته، وهذا ما یمثل قوة الدولة وقوة السلطة.
الراي العام یلعب دورا أساسیا في قوة السلطة ايضا خاصة في المجال السیاسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، اذ لا یمكن النظر إلیه كمجرد منصة كلامية یمكن أن نعبر من خلالها عن مختلف آرائنا فحسب، لكنه في الحقيقة وسيلة مثالية تمكن الافراد والجماعات من فهم بعضهم البعض، كما ان له وظيفة وهي دعم الاستقرار المجتمعي من ناحية اخرى، وبالتالي فان المواطنين يحتاجون الى فعالية ومشاركة الأفراد كراي عام في المجال السیاسي، وفي تحریك مجالهم العام.
في مقال سابق قلت، ان مفهوم المواطنة یتحدد بعدة أسس منها، توحدهم بخصوصيات مشتركة في الحقوق، وتتمثل في تمتع كل فرد من أفراد المجتمع بحق الخدمات الأساسیة العامة، وان عليهم واجبات تتمثل في حرص كل فرد من أفراد المجتمع على مصلحة الوطن، من خلال أداء ما هو واجب، عن طریق الوحدة والتكافل الاجتماعي؛ وفي المشاركة في صنع القرارات المصيرية للوطن، بناءا على تشكيل راي عام موحد، وهنا تبرز قوة السلطة فيها ايضا.
وبالتالي فان الاعتماد على تشكيل راي عام حقيقي بما يحمله من نقد وتقییم وما يهدف اليه من تغییر وتجدید، يسایر متطلبات العصر الذي يعيشه، ويقوم على مراقبة السلطة التي یتم من خلالها بناء قيم أخلاقية للمجتمع، يكون بدل الاحتكام إلى فرضیات متوارثة تراثية صورية للسلطة یصعب تطبیقها على الواقع، كما یصعب من ناحية أخرى تحقیق شرط الحریة رغم انها تعمل على استمالة وتوجیه الرأي العام.
قوة السلطة تتجسد في الوطنية الدستورية على مستوى النظام المحلي والعالمي، اذ من الصعب تأسيس مواطنة دستورية على أسس نظرية مجردة بعيدة عن الدستور الحاكم الذي من شأنه تغذية وتنمية الشعور بالوحدة والتضامن والمشاركة.
كما أن قوة السلطة تبرز في تجسيد الدیمقراطیة التداولية كنموذج عالمي للحكم، يحكم العالم، حيث الشعوب تستطيع اتخاذ قرارات بشأن تقرير مصیرها، وهذا تفعيل لدور المواطن في إرساء قواعد الدیمقراطیة الحقيقة القائمة على مشاركة المواطنین في وضع وسنّ القوانین وصنع القرارات السیاسیة.
السلطة الدیمقراطیة لیست مجرد أسلوب لتوافق او اتفاق بين المصالح المتعارضة، أو هي نظام حكم یمثل الأغلبیة فحسب، لكنها في احيان مختلفة تكون تجسيد للحیاة الأخلاقیة التي تهدف إلى تحقیق ان كل فرد من أفراد الدولة يتمتع بالكرامة والأمن والمساواة والحریة، والوحدة والتعدد، وان يتساوى حق الأغلبیة وحق الأقلية بالرغم من الصّراع في المجال السیاسي بينهم.
قوة السلطة تعمل في تفعيل دور التواصل بین جماعات واحزاب وفرق وملل المجتمع، وخلق جو من التعايش المشترك والاعتراف المتبادل بينهم، اضافة عن كونها قيمة إنسانية أخلاقية تحمل في طياتها أبعادا كثيرة.
وبالتالي فإن مفهوم الدولة الوطنية العسكرية المذهبية الديكتاتورية القومية الشعبوية المركزية أصبح من الماضي، وقوة السلطة فيها اصبح مثال للشك والعدم، وفي عالم اليوم والعصر الذي نعيشه والتكنلوجيا، يقتنع العالم ان من المنطقي والواقعي عدم نجاح مثل هذه الأنظمة الحاكمة أمام تصاعد المجادلات والنزاعات والصراعات المحلية والاقليمية والدولية.
ولذلك فإنّ البديل هي الديمقراطية الدستورية كوسيلة للاندماج بدیلة عن القومية او الشعبوية او المذهبية، لأنها تخضع لقوانین دستورية جربها الانسان في اماكن كثيرة من العالم، ولذا فان الدیمقراطیة التداولية تعد مشروعا ناجحا ذو اهداف إنسانية، بمواجهة مبادئ وإجراءات عالم تحكمه المصالح الشخصية.