تداعيات قرار عبد المهدي في دمج الحشد على فصائل الحشد وعلى مستقبل الدولة العراقية

د. عبدالناصر المهداوي
مستشار مركز العراق الجديد
      ما فجره لقاء السيد العبادي في برنامج كالوس .. الحلقة 20 – 2019/7/16 الذي اقامته قناة الفرات الفضائية من معلومات خطيرة تكشف لأول مرة من قبل مسؤول يعد فيما سبق القائد العام للقوات المسلحة العراقية التي تعد مرجعا إداريا وعسكريا لقوات الحشد الشعبي الذي أثار قرار السيد عادل عبد المهدي قراره الأخير بدمجه في القوات المسلحة العراقية لغطا كبيرا ما بين مؤيد أو معارض له، فقد صرح السيد العبادي عن حقائق سمعها من قبل مفتش الحشد فقال، مفتش الحشد صارحني أن العدد الحقيقي للحشد لا يزيد عن 60 الفا من المقاتلين على الأرض، في حين يصل عددهم 150 الفا على الورق وبالتالي فإن الرواتب تصرف للعدد المذكور على الورق دون حتى السماح للقائد العام بتدقيق هذه الأسماء، وأوعز السبب بتجار الحروب الذين وصفهم بالمتغولين الذين استغلوا الحشد لتحقيق مصالحهم، ويثير تساؤل كبير حين قال؛ ما هو المبرر في زيادة اعداد الحشد في وقت السلم؟  وأكد أنه لا يخشى على الحشد من الخارج بل من جهات مستغلة في داخل الحشد، وذكر معلومة مهمة تخص جهات قطعت علاقتها بالحشد قبل الانتخابات وعادت اليه بعد اجرائها، وأكد على حقيقة كبيرة حين قال: فصائل حشدية رفضت أن أدقق في أرقام مقاتليها!!
    من هذه المفارقة الكبيرة التي أثارها مسؤول بوزن رئيس مجلس الوزراء يعد المسؤول الأول على القوات المسلحة العراقية نستطيع أن نرصد على أن الحشد الشعبي فيه بعدان؛ البعد الأول الذي لا يستطيع أحد المزايدة عليه يكمن في المقاتلين المخلصين الذين استجابوا لنداء المرجعية ووضعوا أرواحهم على أكفهم لتقدم من أجل هذا البلد في تخليصه من براثن الإرهاب، ومن هنا يندرج جل الحشد العشائري مع هؤلاء لاعتبار أن اكثرهم لا يتقاضى رواتب نضير عملهم في مناطقهم، أضف إلى ما تقدم فإن جل الشهداء والجرحى من هؤلاء، وهؤلاء يحضون باحترام وتقدير جل العراقيين. والبعد الآخر هم الذين وظفوا تضحيات الحشد لتحقيق مصالح مادية أو شخصية أو سياسية على الرغم من منع القانون لهم من مزاولة أي نشاط سياسي، وهؤلاء هم الذين استفادوا من تضحيات الآخرين بدون وجه حق، ومن هؤلاء شخصيات كبيرة وفصائل عديدة، بعض هذه الفصائل لها تواجد هامشي في الحشد وجل نشاطها خارج الحشد وهذا ما صرح به رئيس مجلس الوزراء السابق على وجه التحديد، هؤلاء يعدون الخطر الأكبر الذي يهدد سلامة وأمن العراق والعراقيين.
       وبعد هذا التفصيل الذي نراه من الأهمية بمكان لتحديد النقاط على الحروف نستطيع التمييز بين اتجاهيين من الفصائل تعاملا مع قرار السيد عبد المهدي على النقيض، فالاتجاه الأول يكمن في من أيد خطوة  عبد المهدي وخاصة تحالف الفتح والذي يضم منظمة بدر والعصائب وآخرون، وتحالف سائرون والذي يضم التيار الصدري الذي لديه فصيل سرايا السلام التي تمتلك عناصر بشرية كبيرة مسجلة وغير مسجلة ضمن هيئة الحشد الشعبي والتي لا تزال تمسك بالأرض في سامراء، وبما أن هذين المكونين هما من يدير السلطة التنفيذية وهما من اختارا رئيس الحكومة بالتوافق، لذلك لا نستبعد اشتراكهم في القرار الأخير بل ربما منهم من وجه رئيس الحكومة عادل عبد المهدي باتخاذ هذا القرار، لا سيما بعد الترحيب والمقبولية التي حضي بها القرار مباشرة بعد إعلانه من عدد من قادة الفصائل، حيث أصدر السيد مقتدى الصدر بيان بعد أقل من ساعة رحب به بالقرار وأعلن عن تفكيك سرايا السلام وتسليم مقراتها للجيش العراقي عن أن يكون القرار ملزم للجميع وأن تُعامل سرايا السلام بعدالة في انضمام أفرادها للجيش العراقي، كما رحبت منظمة بدر بزعامة السيد هادي العامري بالقرار ونص بيانها “بدر بالوقت الذي تعد فيه الأمر الديواني الذي صدر من القائد العام للقوات المسلحة تثميناً للدور والعطاء الريادي للحشد الشعبي المقدس، فإننا نود الإشارة إلى أن هذه الخطوة ليست بعيدة فقد تم بيانها قبل عامين من قبل رئيس تحالف الفتح هادي العامري والتي أشار فيها إلى المباركة بالفتوى الرشيدة وأن يعطى الدور الاستثنائي والريادي للحشد كونه يمثل صمام الأمان للبلد ولولاه لما تحققت الانتصارات على زمر داعش الإرهابية”. كما أصدر زعيم عصائب أهل الحق الشيخ قيس الخزعلي بيان في السياق ذاته جاء فيه: “قرار رئيس مجلس الوزراء الأخير خطوة بالاتجاه الصحيح ليكون الحشد جزءا مهنيا وثابتا من القوات المسلحة ويفشل محاولات حله أو دمجه، إن إبعاد الحشد الشعبي عن التجاذبات السياسية وتوفير ما يحتاجه من قضايا لوجستية كفيل بضمان قوة الحشد الشعبي ليقوم بواجبه المقدس في ضمان أمن لعراق ومستقبله”.
     أما الاتجاه الثاني الرافض للقرار يتشكل عبر قوى رفضت القرار وتحسب هذه القوى على هيئة الحشد الشعبي ككتائب سيد الشهداء، وكتائب حزب الله الذي صدر بيانا جاء فيه “حلّ الحشد الشعبي، ليس من أولويات الدولة العراقية”، فضلا عن رفض فصائل أخرى كجماعة واثق البطاط وآخرين، إن المثير للجدل هنا كما يتساءل مختصون في الشأن العراقي، لماذا رحبت فصائل كالعصائب وبدر؟ ورفضت أخرى، مع اعتبار أن كل المؤثرات الخارجية تعمل عملها في توجيه هذه المجاميع المسلحة، وعلى الرغم من أن هناك علاقة وثيقة تجمع بدر والعصائب بإيران، تجد هذه القوى رحبت بالقرار في حين هناك قوى أخرى ككتائب سيد الشهداء وحزب الله رفضت القرار وهي أيضا لها علاقة وثيقة بإيران، ويتجه تحليل البعض في تفسير هذه الظاهرة بقوله ربما أن العصائب وبدر المشتركون بقوة في العملية السياسية وبمرحلة ما بعد تنظيم داعش الإرهابي يدركون تعقيدات التوتر الأمريكي الإيراني وتأثيراته على العراق وبالأخص على القوى المحسوبة على إيران، لذلك قبلوا به من أجل عدم الحرج في أي توتر مستقبلي، كما أنهم يضمنون من خلال نفوذهم غير المباشر في القوى الرسمية كخيار وسط بعد دمج الحشد الشعبي ضمن الجيش العراقي وإنهاء التنظيمات والتسميات المرتبطة به كقوى عسكرية ولجان اقتصادية وما
     وبعيدا عن هؤلاء وهؤلاء يبقى السؤال الأهم يكمن في مقدرة السيد عادل عبد المهدي تنزيل هذا القرار على الأرض واقعا معاشا بعد أن نزله على الورق؟ يعد هذا التحدي الذي صرح به السيد العبادي في لقاءه السابق، والذي يضع مصداقية الحكومة على المحك الأخطر من نوعه لكون غالبا ما ترجع قوات الحشد إلى مراجعها العقدية والحزبية بالدرجة الأساس قبل أن تخضع لمراجعها العسكرية في المسؤولية، ولعل منع المسؤول الأول عنهم سابقا العبادي حتى من تدقيق أسمائهم أكبر دليل على ما نقول به، كما يشكك ناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي بقدرة رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي على تفعيل قراره دمج فصائل الحشد الشعبي بالقوات المسلحة، ويذهب آخرون أبعد من ذلك إلى القول إن القرار ليس قراره أصلا، وإنما جاء نتيجة لضغوط دولية ولن يأخذ مجراه على أرض. في حين رحب ناشطون كثر بقرار دمج الحشد الشعبي في القوات المسلحة العراقية، على اعتبار أن هذه الخطوة تمثل استجابة لمطلب إقليمي ودولي في وقت تقف فيه المنطقة على شفا حرب مدمرة. ويقول مغردون آخرون إن قرار عبد المهدي إذا صح خطوة باتجاه تقليص النفوذ المتزايد لقوى تدعي علاقتها بالحشد الشعبي وتستفيد من ذلك لتحقيق مصالح ضيقة.
   ويأتي ترحيب قادة الحشد المرتبطين بإيران منهم يثير علامات استفهام كثيرة: هل القرار لضبط الحشد؟ أم لحمايته من تبعات أي تدخل في أزمات دولية وإقليمية ليس للعراق مصلحة في دخولها؟ تباينت التحليلات في تفسير هدف عبد المهدي من قرار دمج “الحشد” في جسم المؤسسة العسكرية الممثلة بالجيش العراقي، ففيما اعتبرها البعض محاولة لتمكين المليشيات من القرار العسكري بالبلد أكثر منها خطوة لضبط السلاح المنفلت، وصفها آخرون بأنها التفاف على ضغوط أمريكية تستهدف حلّ قوات الحشد الشعبي. ويؤكد هذا الاتجاه ما قاله في حديث لـ”الاستقلال” الأكاديمي العراقي وأستاذ الإعلام فائق الدوري: إن قرار عبد المهدي خطير جدا، وهدفه إخضاع المؤسسة العسكرية لإرادة قادة الحشد الشعبي القريب من إيران. وأضاف الدوري: إن قيادات الحشد الشعبي الحالي وعلى رأسهم أبو مهدي المهندس نائب رئيس الحشد، لا يحمل رتبة عسكرية ومعروف أنه كان عضوا في الحرس الثوري الإيراني أيام معارضته لنظام صدام، وإقامته في إيران، ولفت إلى أن قرار رئيس الحكومة فيه التفاف كبير على الضغوط الأمريكية والدولية لحل الحشد الشعبي، وبالتالي سيكون أمامه خياران إما حلّ هذه القوات بالفعل، أو دمجها في القوات الأمنية، لكنه فضّل الذهاب إلى الخيار الثاني الذي يمثل خطورة كبيرة على المؤسسة العسكرية.
   ويتفق مع هذا الرأي تقرير نشرته مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية، للباحث ريناد منصور، توقع فيه أن يمهّد الأمر الديواني الذي أصدره عبد المهدي لسيطرة الحشد الشعبي على عمق الدولة العراقية، وتابع منصور: هناك هدف بتحويل الفصائل إلى قوة موحدة خلال السلم، ولإكمال هذا التحول، كان هدف قادة الحشد تأمين اتصال أوثق بالدولة ويمثل إعلان عبد المهدي خطوة نحو هذا الهدف تجاه تعزيز التسلسل الهرمي الداخلي للحشد، إنه يدرك أنه لا تزال هناك مجموعات من الحشد لا تطيع أمره، وبيّن أنه من خلال السيطرة على موارد الدولة أصبح لدى قادة الحشد الآن نفوذ لإنشاء سيطرة أكبر على الدولة، لافتا إلى أن السبب الوحيد الأهم وراء دعم القيادة العليا لقوات الحشد في هذه المرحلة للمرسوم الجديد لرئيس الوزراء هو عبد المهدي نفسه. على عكس رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، الذي عمل في بعض الأحيان ضد الحشد.