التغيير الديمغرافي في العراق الى اين…

د. مهند يوسف
مستشار مركز العراق الجديد
مع تزايد عدد الهجرات في مختلف بقاع العالم بشكل عام، ومن والى العراق بشكل خاص؛ وهو ما يعرض البلد والجوار لتحديات جسيمة في كيفية استيعاب تلك الجماعات المتدفقة. وبلغة أخرى، إن تزايد عدد الهجرات من شأنه تعريض العراق إلى مشكلات إثنية، تتمثل في الإشكالية التالية: كيف يمكن استيعاب الجماعات الإثنية في داخل التراب الوطني القومي رغم اختلاف التاريخ والجغرافيا، وفي نفس الوقت احترام هوياتهم وخصوصياتهم ؟
في 2003 وعند احتلال العراق اطلقت الحكومة ومراكز الابحاث والاعلام الامريكية مصطلح حكم الاغلبية الشيعية وصممت النظام الحكم الديمقراطي فيه على هذا الاساس، ورغم ان هذا الادعاء ليس له اي اثبات صحيح لا من قبل التعداد الرسمي السكاني ولا من حيث الواقع الذي كنا نعيشه آنذاك، الا ان السلطة عززت وساعدت بتكوين هذا المفهوم بشكل واقعي وتام من خلال الحرب الاهلية التي وقعت بعد 2006 وحتى 2016 من خلال التغيير الديمغرافي الذي حدث لأغلب مناطق العراق منه واليه.
فهجرة السنة من بغداد ومحيطها ومن شمال ووسط وجنوب العراق بشكل منهجي ومخطط، قابله نزوح عوائل شيعية كاملة لتحل محل تلك العوائل المغادرة وجاءت من شيعة باكستان وافغانستان والهند وايران، اضافة الى استيطانهم قرب المراقد في كربلاء والنجف وسامراء وبغداد.
وبالتالي فإن الدولة العراقية التي كانت دولة قومية ثم اصبحت طائفية اثنية ليست هي وحدها التي ستواجه مثل هذه التحديات بل هناك أيضا المؤسسات الدولية والإقليمية التي ستجد نفسها داخل هذه الأزمات. واما المؤسسات المحلية فإنها ستكون مكبلة بمسئوليات ضخمة تتمثل في حل تهديدات صعبة ومعقدة، وفي مواجهة المخاطر عبر القضاء على الإرهاب، كما تتمثل في الجرائم المنظمة والمخدرات والفساد.
الخطر من ذلك التغيير الديمغرافي هو في تغير طبيعة الإرهاب الشيعي الدولي، من حيث تجاوز “الإرهابيين الشيعة” لحدودهم الوطنية، واستخدامهم للأساليب غير المألوفة التي قدمتها لهم تكنولوجيا المعلومات، ولنشوء جماعات راديكالية أخرى تحت مسمى المليشيات او الحشد الشعبي، واحتضانهم للحركات المنشقة المختلفة المنتشرة في العالم الإسلامي كما في البحرين واليمن؛ وبتخوف من تمدد “الأيديلوجية الشيعية لولاية الفقيه” الى جنوب شرق آسيا، وآسيا الوسطى، وغربي أوربا.
فالعوامل الرئيسية التي أنتجت وأفرزت الإرهاب الشيعي الدولي لن يرينا على المدى المنظور أي علامات أو مؤشرات على انتهائه أو حتى اقترابه من الانتهاء. فشبكات الاتصالات العالمية سهلت على هؤلاء الراديكاليين الشيعة من إحياء هويتهم الإسلامية، ونشر أيديولوجيتهم الراديكالية ليس فقط في الشرق الأوسط فحسب، بل في خارجه أيضا؛ في جنوب شرق آسيا، وآسيا الوسطى، وأروبا وافريقيا… حيث الهوية الدينية لا تتمتع بقوة واضحة.
وقد صاحب هذا الإحياء الشيعي تضامن واسع وتلاحم وتأييد من قبل الاقليات الشيعية المنتشرة في العالم من غير اثني عشرية الاصولية، والذين وجدوا أنفسهم في مواجهة حروب ونزاعات، تتسم بالكفاح الوطني أو الانفصالي؛ مثل الحوثيين في اليمن وجند الله في نيجيريا وفي بعض المنظمات الانفصالية الارهابية في ماليزيا وغيرهم.
 كذلك وجد هذا الإحياء الشيعي تأييدا من قبل هؤلاء الاقليات العلوية، الذين يعيشون تحت وطأة استبداد حكوماتهم، وفسادها، وعدم فعاليتها كما في بنغلادش وباكستان واذربيجان.
هذا بالإضافة إلى الشبكات غير الرسمية التي تغذي تلك الأيديلوجية كالمدارس الحوزوية الدينية، والمؤسسات الخيرية، والحوالات البنكية، والتي يتوقع لها الاستمرار والانتشار، وتعرضها للاستغلال من قبل العناصر الراديكالية الشيعية المتطرفة. ويزيد ذلك قوة ما تشكله الأعداد المتزايدة من الشيعة العاطلين عن العمل الذين يمثلون البيئة المناسبة للتجنيد من قبل خلايا الإرهاب الشيعي.
اليوم يحاول الشيعة تجاوز تنظيمات الحشد والحرس الثوري من قبل جماعات شيعية أصولية أخرى لأجل الخلاص من طائلة العقوبات المفروضة عليهم؛ كما يتوقع قيام حركات شيعية كبرى تتقارب فكريا وعمليا مع “المليشيات الشيعية” بالتعاون والاشتراك والاندماج مع بعض الحركات المحلية المنشقة؛ وهذا ما سيشكل خطرا حقيقيا على الأمن العالمي.
وما يزيد الأمر خطورة هو استغلال تلك الحركات الشيعية لـتكنولوجيا المعلومات والاتصالات بصورة مكثفة ومرعبة؛ فعبر هذه التكنولوجيا، سيتمكن الإرهابيون الشيعة من نشر تهديداتهم في كل مكان؛ إذ إنهم لم ولن يعودوا بحاجة إلى مراكز ينطلقون منها لينفذوا عملياتهم؛ فما وفرته لهم هذه التكنولوجيا من اتصالات وتواصل ومعلومات ستغنيهم عن حاجة التنقل والسفر؛ ومن ثم، سيتحولون إلى مجموعات إلكترونية من الجماعات والخلايا والأفراد. ولذا، فإن كل ما يتعلق بتدريب هؤلاء الإرهابيين، وبتعليمهم المهارات المطلوبة، وبدعمهم ماديا، سيصبح متاحا عبر وسائل التواصل والانترنت.
وبالتالي فإن أغلب الهجمات الإرهابية الشيعية القادمة سوف لن تكون تقليدية، مع تطويرها للآليات المُستخدمة ضد الجهود الرامية لمناهضة للإرهاب. كما سيكون هناك تغيير واضح للأسلحة والتكنولوجيات الإرهابية ولن تظل على تقليديتها، لإن المفاهيم وتصميم وتنسيق وتخطيط، ودعم العمليات الإرهابية ستكون في تغييرات مستمرة.
ايضا هناك شغف عند عدد كبير من الاصوليين الشيعة للحصول على الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والراديولوجية والنووية، مما يمكن أن ينبئ بحرب ضروس تستخدم فيها أسلحة الدمار الشامل. فتمكن هؤلاء الإرهابيين من الحصول على مشروع نووي سيؤدي إلى سقوط ضحايا لا حصر لها. ومن الملاحظ، أن الإرهاب والتهديد والردع النووي، سيكون أكثر تكيفا وتأقلما مع الجماعات الإرهابية الشيعية الأصغر، والأكثر حصولا على المعلومات.